أحمد بن حجر الهيتمي المكي

31

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

كأنه نائم على فراش وأما أبو بكر فلم يخبر بقاتله فكان إذا دخل الحرب لا يدري هل يقتل أم لا فمن يدخل الحرب وهو لا يدري ذلك يقاسي من الكر والفر والجزع والفزع ما يقاسي بخلاف من يدخلها كأنه نائم على فراشه ومن باهر شجاعته ما وقع له في قتال أهل الردة فقد أخرج الإسماعيلي عن عمر رضي الله عنه لما قبض رسول الله ارتد من ارتد من العرب وقالوا لا نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبار في الجاهلية خوار في الإسلام بماذا شئت أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات مضى النبي وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا قال عمر فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت علي كثيرا من مؤنتهم حين وليتهم فعلم بما تقرر عظم شجاعته ولقد كان عنده وكذلك الصحابة من العلم بشجاعته وثباته في الأمر ما أوجب لهم تقديمه للإمامة العظمى إذ هذان الوصفان هما الأهمان في أمر الإمامة لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه إلى قتال أهل الردة وغيرهم ومن الدليل على اتصافه بهما أيضا قوله كما في الصحيح في صلح الحديبية لعروة بن مسعود الثقفي حين قال للنبي كأني بك وقد فر عنك هؤلاء امصص بظر اللات أنحن نفر عنه أو ندعه استبعاد أن يقع ذلك قال العلماء وهذا مبالغة من أبي بكر رضي الله عنه في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمته وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار والبظر بموحدة مفتوحة فمعجمة ساكنة قطعة تبقى بفرج المرأة بعد الختان واللات اسم صنم والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم فانظر كيف نطق لهذا الكافر الشديد القوة والمنعة حينئذ بهذا السب الذي لا سب فوقه عند العرب ولم يخش شوكته مع قوتها بحيث صدوا النبي عن دخول مكة ذلك العام ووقع الصلح على أن يدخلها من العام القابل ولم يجسر أحد من الصحابة غير الصديق على أن يتفوه لعروة بكلمة مع أنه نسبهم أجمعين إلى الفرار وإنما أجابه الصديق فقط فدل ذلك على أنه أشجعهم كما مر عن علي ومن شجاعته العظمى قتاله لمانعي الزكاة وعزمه عليه ولو لوحده كما قدمته مبسوطا أول الفصل الثالث ومختصرا آنفا فراجعه ومن ذلك أيضا قتاله مسيلمة اللعين وقومه بني حنيفة مع أن الله وصفهم بأنهم أولو باس شديد بناء على أن الآية نزلت فيهم كما قاله جمع من المفسرين منهم الزهري والكلبي ومن ذلك أيضا ثباته عند مصادمة المصائب المدهشة التي تذهل الحليم لعظمها كثباته حين دهش الناس لموت رسول الله فإنهم ذهلوا حتى عمر وهو من هو في الثبات فجزم بأنه لم يمت وقال من زعم ذلك ضربت عنقه حتى قدم أبو بكر من مسكنه بالعوالي فدخل على النبي وكشف عن وجهه فعرف أنه قد مات فأكب عليه يقبله ويبكي ثم